أسياد في حمص.. شحاذون في دمشق

 

شذى المداد

كيف يمكن لـ”رامي” ابن الأربععشر ربيعاً أن يفكر بالانضمام إلى صفوف ما يسميه بـ”الجيش الحر”، هكذا يقولها وببساطة: “أنا على استعداد للذهاب إليهم، أعلنا الجهاد وانتهى الأمر، لستُ لاجئاً في دمشق، أنا أنتظر ليأتي دوري”.على هذا النحويفكرشابعايش أحداث وصفها بالمروّعة ألمتّ بمدينته حمص، رغم اعترافه المبطن بأنّ ذاك الجيش يعتبر أحد أطراف النزاع، التي نسجت حكاية تشردّه من منزله الكائن في حيّ “الخالدية” لينتهي به المطاف إلى إحدى الأقبية في مخيم هو أصلاً للاجئين الفلسطينيين، فتحوّل اليوم إلى مخيم لللاجئين السوريين ولأول مرة.

  • ·        التوجه إلى دمشق:

يقف على عتبة داره في أحد شوارع العاصمة دمشق، يتعرّف لأول مرة على عشوائيات مكتظة بالسكان، لدرجة لا يستوعبها عقل من أتى لتوه من حمص “العديّة” كما يسميها، مدينة الاشباح،تسمية اكتسبتها المدينة عشية الثورة، كما يقول “رامي”، هنا في دمشق حال تناقض تماماً ما شاهده هناك، فكل ما حوله لا يدلّ على وجود ثورة ما، فالأطفال يلعبون والنساء يمارسون طقوسهم اليومية من نميمة أمام أبواب منازلهم، ورجال ينفثون دخان “نرجيلة” لا تنطفئ.

أتت تلك العائلة في ليلة اشتد فيها القصف على الأحياء ليلاً، خرج من حيّ واحد أكثر من خمسمائة عائلة مع أطفالهم ـ بحسب شهود عيان ـوتوجهوا إلى دمشق، رمتهم الشاحنة صباح اليوم التالي في “مخيم اليرموك” قال لهم السائق: “هذا هاتف يعود لشخص خرج من حمص منذ اليوم الأول للأحداث يعرف دمشق كلها اتصلوا به و سيتدبر أمركم”.

يروي رامي وهو لا يزال حتى اللحظة يرتدي ذات الملابس التي خرج منها من حمص قبل نحو ستة أشهر، يروي تفاصيل تنقله بين خمس شقق ليصل إلى منزل مؤلف من غرفتين، يشاركه فيها عشر أشخاص،هم أفراد عائلته وعائلة جيرانه واولاد عمه الاثنين، ألقت العاصمة بكل ثقلها على هؤلاء، لم يكن أحداً رحيماً إلا ما ندر، فسرعان ما شهدت أسعار العقارات ارتفاعاً ملحوظاً، حيث وصل سعر المنزل إلى حائط الخمسة عشر ألف ليرة سورية، يضاف إلى مجمل ذلك بروز توجّه جديد لدى الدمشقيين فباتوا يخشون تأجير المنازل لأهل حمص، أي طائفية تلك؟ يتساءل”رامي” مضيفاً:”لقد حلمتم بالتغيير منذ سنوات وعندما تجسد الحلم واقعاً سكن الخوف قلوبكم، الشاميون لا رحمة لديهم”.

يتحدّث البعض بمرارة عن عملية قلب للمفاهيم تواجه السوريون، وكيف أنّسيدة كبيرة في السن طلبت من أحد “الحماصنة” المقيمين في منطقة السيدة زينبطلبت جرة غاز وعندما أحضرها لها سألته عن مدينته، فأجاب بفرح: “من حمص” ردتّ عليه بسرعة: “من حمص! الله لا يعطيك العافية أنتم خربتم البلد بالحرية !”.

هكذا تهشمت نفسية من لم تتمكن الدبابة من دحرها، تهشمت بفعل طائفية اجتاحت فجأة بلد برمته لتعشش في نفوس الجميع، “لا أحد هنا يحبنا” تستغرب أم رامي ما يجري وتسأل: ” كيف يأتي تاجر كبير لمساعدتنا وإعطائنا بعض المواد الغذائية في حين يرفض أبناء الحي الجلوس معنا يسموننا بالـ”الحماصنة” وكأننا من كوكب آخر وليس من سورية واحدة”.

عمل والد رامي في حمص في أحدى المحال التجارية الواقعة وسط المدينة، لم ينجح أي من أولاده في الحصول على وظيفة لدى الدولة، فاتجهوا إلى العمل الحر، لم يخطر بباله ليوم واحد أن يسقط أي نظام،رغب في المشاركة في تظاهرة طالبت بإقالة محافظ حمص، يقول: “المشكلة منذ البداية كانت أنّ المحافظ القديم أياد غزال لا يريد أن يخدمنا بأي أمر خرجنا في تظاهرة وحصل ما حصل”.

تسمع بين الحين والآخر صوت شجار بين أفراد العائلة، فرامي لا يريد أن يذهب والده لتسجيل اسمه ضمن قوائم هيئة الهلال الأحمر السوري، والأم تضغط عليه للقيام بذلك وفي أحيان أخرى لا تتوانَ للحظة عن شتم الثوار والثورة: “ماذا حلّ بنا جراء الحرية! ماذا طلبنا لنخرج من منزلنا هكذا عراة نحن يا جماعة كنا نملك البيوت والأثاث الجيد، الآن نتحسّر على حفنة رز وسكر”.

يتنطح رامي لإدارة الحوار: “من قال أنّ الحرية تأتي على طبق من ذهب؟” يجب العودة إلى حمص بعد اسبوع لا نريد المساعدات من أحد”، يخرج غاضباً، هل هذه آخرتنا مساعدات من المؤيدين”.

جملة من التناقضات أفرزها واقع التشرد والتهجير، تدور هنا احاديث كثيرة عن نزوح آلاف العائلات وخروجهم من أحياء حمص وهم لا يملكون ثمن أجرة منزل يأويهم، في حين خرج البعض وفي رأسه قناعة مفادها أنه لا يمكن الرجوع إلى تلك المدينة، باع كل ما يملكه هناك وأتى ليكمل بقية حياته في العاصمة حيث لا حرب ولا هم يحزنون، هذا ما فعلته يسرا وزوجها القادمين من درعا عشية قصف طال المدينة للمرة الألف كما تبينّ: “لا أريد المجيئ إلى العاصمة المعيشة غالية ولكن درعا لا تطاق أيضاً”.

  • فساد الجمعيات:

في البداية وقفت العائلة في صفوف طويلة أبطالها النازحين المهجرين من محافظات مختلفة، وقفوا في الموعد الذي حُدد لهم ليحصلوا على معونة غذائية، حيث انتشرت الجمعيات الأهلية لإغاثة النازحين انتشار النار في الهشيم، كلها تحمسّت في بداية الثورة لمساعدة المستحقين للمساعدةثمّ شهدت انحرافا لمسار مهمتها، والبعض يوجه التهم إلى أجهزة الأمن التي تمنعهم من التعاطف مع الثورة، على حدّ وصف أحد المهجرين يدعى حسون النجار، فتحولت إلى أشبه بعملية وقحة لا تخلو من الذل والمهانة، تصفها أم بديع، المرأة التي أتت من وسط الخالدية مع أولادها الأربعة حيث كانت تسكن في منزل جميل، تخرج من حقيبتها صوره قبل قصفه في تلك الليلة الأخيرة وتضيف في معرض حديثها عن تجربة مريرة عاشتها مع إحدى الجمعيات:”  يسرقون الثورة وأهلها، ذهبت لآخذ ما قيل عنها أنها مساعدات إنسانية، عبارة عن رز وشاي وسكر وعلبة مرتديلا، فصاح بوجهي الموظف ليقول أنت لا تستحقين المساعدة زوجك تاجر عقارات في حمص وتأتون لتحصلوا على مواد غذائية، الله يعلن الثورة إذا كانت هكذا!”.

تعترف أم بديع بأنّ زوجها كان من أثرياء حمص، يملك قطعة أرض قدرّت (قبل أحداث العنف) بأربعين مليون ليرة سورية، وتضيف: ” إذا تمكن السيد الرئيس ذاته من بيع تلك الأرض في منطقة الوعر التي وضعت عليها الدبابات إذا تمكن من بيعها بالسعر هذا فليعطنا منها فقط مليون ليرة ويأخذ ما تبقى”.

تحوّل الأب حسون النجار اليوم إلى عاطل عن العمل لأشهر، حاول مراراً تعلم صنعة الحلاقة وفتح محل بسيط وصغير في قلب مخيم اليرموك، الذي بدوره يشهد حالة توتر، أغلق الصالون فلا أحد من أهالي المنطقة يزوره بحجة أنه من حمص ومحله مراقب!! يضحك أبو بديع: “نعيش على مساعدة من هنا وأخرى من هناك، لدرجة أننا قبلنا مساعدة من السيد الرئيس! أنا شخصياً طرقت باب كل الجمعيات والمرة الوحيدة خلال ثلاثة أشهر حصلت على مساعدة أخجل من نفسي كلما أتذكر اني قبلتها، والمعونة الغذائية الوحيدة التي دخلت منزلي كانت منه، ضربنا ثم أعاننا، هذه هي الحياة والمهم الآن أن تنتصر حمص، حمص اقوى من كل هؤلاء؟”.

تجلس سيدة أربعينية على أريكة قديمة مهترئة، بدت عليها ملامح الحزن مجبول بالتعب، تعب التشرد والتهجّر من مكان تعتبره أجمل ما صادفته في حياتها، تضع يدها على خدها تحاول كتم دمعتها، عن ابن يدرس الهندسة (بديع 25عاماً) بقي في حمص تحديداً في الخالدية إحدى أهم نقاط التوتر في مدينة الموت المستمر تسميها أم بديع:” تحت القصف المتواصل أهون بألف مرة من عيشة الذلّلم نكن نشعر بالمهانة عندما تلقينا ضربات الهاونوتذلنا جمعيات تسمى بالخيرية تسرق على عينك يا تاجر، إذا كنت تعرفين أحداً من كوادرها عشت كملكة”.

تتابع حديثها عن ذهابها قبل أسابيع إلى ثلاث جمعيات تدار من قبل الدولة، أسست لمساعدة النازحين المهجرين قصراً من بيوتهم، وأنها لم تستفد منهم بحبة رز، تقول مضيفة: “حتى في موضوع المساعدات وساطات، أخذ البعضسلتين غذائيتين خلال أسبوع واحد والبعض الآخر لم ير كيس شاي منذ أشهر”.

تشرح السيدة بإسهاب كيف كانت تملك منزلاً كبيراً وسط ما يسمى الآن بعاصمة الثورة:”في منزلنا غرفتي نوم كنا نستقبل عشرات الأشخاص ممن احتاج لمساعدة عشية انطلاق الشرارة الأولى، والدي لم يكن رجلاً عادياً،نحن أسياد حمص، كل شيء ضاع منا وتحولنا في دمشق إلى شحاذين، نظام حولنا إلى شحاذين”.

وتشير المعلومات الأولية إلى أنّ جمعيات كثيرة ظهرت في الآونة الأخيرة أعلنت عن نيتها مساعدة المهجرين من ديارهم قصراً، وتشير تلك المعلومات إلى وجود أكثر من ألف وسبعمائة عائلة يقطنون فقط في مخيم اللاجئين الفلسطينيين، حسب هيئة تواصل للإغاثة، فيما تتوزع البقية الباقية في مناطق نائية أخرى تحاذي العاصمة دمشق أو تبعد عنها آلاف الكيلومترات، كدير عطية والنبك والزبداني، فيما يسكن مهجرينّ في أوضاع توصف بالسيئة للغاية، حيث يشغل النازحين أكثر من عشرة فنادق في منطقة حرم السيدة زينب.

ووصل قبل أشهر مئات العائلات إلى منطقة “دير عطية” في ريف دمشق،سكن بعض منهم في مطاعم وصالات أعراس، لحين جاءت أوامر من أحد أكبر رجالات الأعمال والمتنفذين بضرورة مساعدتهم من قبل أهالي رفضوا الفكرة للوهلة الأولى.

هكذا يعيش المهجرون، في إطار من الأزمات المتلاحقة، يتسارعون لطرق أبواب الجمعيات الخيرية، يفرحون عندما يعلن عن تأسيس جمعية جديدة، تكون ذات خبرة في توزيع المعونات، ولم يسكت البعض منهم على وضعهم بهذه الصيغة، فعرفوا طرقاً كثيرة لمساعدة بعضهم:” هل تصدقين أننا ساعدنا بعض الأخوة القادمين من إدلب، عرفنا المنطقة وأسرارها”.

وتبدأ المناطقية تفعل فعلها وتنفث أمراضها داخل مجتمع واحد لم يتمكن حتى اللحظة من أن يكون واحداً، يقول خضر إبراهيم من باب هود(46عاماً): ” كتب أحد الحماصنة من باب سباع وهو ممن أمنا له عملاً كتب تقارير فينا بأننا تجار لا نستحق المساعدة، علماً أني مجرد لحام!”.

 لم يتمالك خضر (الملقب بأبو علاء الحمصي) نفسه في تلك اللحظة.. يبكي أمام عدسة كاميرا :”سقوط بابا عمرو كان وراؤه البدو القاطنين في بابا عمرو حدثت خيانة من قبل بعض الثوار، هل ننتصر بهذه العقلية!”.

ينتقد أبو علاء أداء من قدمّوا له المساعدة: “أم ربيع تسكن في منطقة المجتهد لوحدها وهي أم لثلاث أولاد زوجها متقاعد لم تستطع الحصول على مساعدة لأنها نسيت بياناتها الشخصية في حمص، هل يعقل هذا؟”.

يتناقل أهل الحيّ حادثة شجار ذهب ضحيتها عدد من الجرحى بعد أن رفض رئيس إحدى الجمعيات في مخيم اليرموكإعطاء مساعدة لزوجة شخص يدعى مصطفى بعد رؤيته لهويتها الشخصية ولم تكن من طائفة جميع من خرج من حمص في تلك الليلة، يصرخ أبو علاء بوجهه: “ناس بلا شرف تميزّ طائفياً”.

لأبو علاء حكاية أخرى تختلف في تفاصيلها عن باقي حكايات أهل حمص، أبو علاء تحوّل بين ليلة وضحاها من شارب للخمرة (سكيّر) يقضي معظم وقته قبيل اندلاع أحداث الثورة في حانات السهر، ليجد نفسه فجأة مسئولاً عن أكثر من عشرين عائلة مهجرة، مارس مهمته على أكمل وجه، فتوقف عن المشروب وواجه جاداً واقع فرض عليه وعلى أبناء عائلته، يضيف:”بعت متجري في حمص وجئنا إلى الشام نعيل بعضنا، الثورة علمتنا الكثير”.

في جلسة مسائية هادئة جمعت أول أمس حسن النجار وخضر إبراهيم قررا فيها أن يجمعا مالاً وتقديمها مساعدة لعائلة نزحت منذ يومين من درعا بعد أن طال قصف عنيف أحياء المدنيين، أم وابنتين وجدا نفسهما في دمشق العاصمة المتوترة ولكنها تستقبل بأعصاب باردة كل أبناء محافظات أخرى.

رفض الاثنان دعوتي إلى العشاء حزناً على مجزرة تريمسة الأخيرة، (على حدّ قولهما): “من المعيب أن نحتسي الخمرَ والناس تموت مجاناً، ليس الموت مشكلة، يوجد بيننا ضعاف نفوس، قبل شهر طردنا مندوباً من منظمة الهلال الأحمر لأنه همس لي أنتم خربتم البلد”.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: